الشيخ السبحاني

494

بحوث في الملل والنحل

لأنّ المقدور بعد التحقّق إمّا أن ينسب إلى كلتا القدرتين ، بحيث يكون لكلِّ منهما تأثير ودخالة ، فتعود العلّة التامّة إلى العلّة الناقصة ، والقادر التامّ إلى القادر غير التامّ وهو خلف الفرض ، وهذا كما إذا اشترك رجلان في رفع الصخرة ، مع قدرة كلِّ منهما على الرفع وحده . فعند ذاك لا يعدّ كل منهما علّة تامّة في مقام الرفع . وإمّا أن ينسب إلى واحدة منهما دون الأُخرى ، وهذا هو المطلوب . وإمّا أن لا ينسب إلى واحدة منهما ، فكيف خرج عن كتم العدم ، مع أنّ حاجة الحادث إلى العلّة أمر واضح . وأمّا اجتماع قدرتين عرضيّتين لكن ناقصتين على مقدور واحد ، فلا يترتّب عليه محذور أبداً . واللائق بالبحث غير هاتين الصورتين ، فإنّ قدرة اللَّه سبحانه وقدرة العبد ليستا في عرض واحد ، بل الثانية في طول الأُخرى ، فهو الّذي خلق العبد ، وحباه القدرة ، وأقدره على الإيجاد وهو في كلِّ آن وحين يستمدُّ من مواهب ربّه . فالعبد وكلّ ما في الكون من علل وأسباب ، جنوده وقواه ، بين فاعل بالاختيار ، ومؤثّر بالاضطرار . فللفعل صلة بقدرة العبد ، كما أنّ له صلة باللَّه سبحانه وقدرته . وبوجه بعيد كالرؤية والسماع ، فهما فعلان للأجهزة الظاهريّة من العين والأُذن ، وفي الوقت نفسه فعلان للنفس القاهرة على قواه الباطنيّة والظاهريّة . فاجتماع قدرتين مثل هاتين لا يستلزم شيئاً من الإشكالات .